الشيخ محمد علي الأنصاري
385
الموسوعة الفقهية الميسرة
كذاته ، وأمّا اللفظي فحادث يحدثه في موجوداته ، فهو متدرّج الوجود ومنصرم فلا يكون قديما . 3 - إنّ هذا الكلام النفسي في الأمر - الذي هو من النسب الإنشائية - اسمه الطلب . 4 - إنّ الطلب غير الإرادة ، وذلك : أ - لأنّ اللّه تعالى قد يأمر بشيء - أي : يطلبه - ولا يريده واقعا ، كما في الأوامر الامتحانيّة ، من قبيل أمره - تعالى - إبراهيم بذبح ولده إسماعيل ، فإنّ الذبح لم يكن مرادا للّه واقعا - لأنّه لو كان مرادا لوقع حتما ولما تخلّف - مع أنّه كان مطلوبا من إبراهيم عليه السّلام . ب - ولأنّ اللّه تعالى يأمر العاصي بالطاعة ، والكافر بالإيمان مع أنّه لم يكن - واقعا - مرادا له ؛ لأنّه لو تعلّقت إرادته - تعالى - بإيمان الكافر وإطاعة العاصي لما تخلّفت هذه الإرادة ، ولتحقّقت خارجا ، ولمّا لم تتحقّق ، فيتبيّن أنّها لم تكن مرادة ، ومع ذلك فقد طلب من العاصي الطاعة ومن الكافر الإيمان . إذن الطلب غير الإرادة « 1 » . نظرية المعتزلة : وتتلخّص نظرية المعتزلة ومن وافقهم من الإمامية بما يلي : 1 - إنّ الطلب والإرادة هما واحد بحكم الوجدان . 2 - وأمّا ما قالوه من أنّ المتكلّم يهيّئ في نفسه - قبل التكلّم - النسب الخبريّة ، وذلك هو الكلام النفسي ، فجوابه : أنّ ما يهيّئه إنّما هو مجموعة من التصوّرات والتصديقات والنسب الموجودة بين التصديقات - كما تقدّم - وليس ذلك إلّا العلم بتلك الأمور ، إذ ليس العلم إلّا التصوّر والتصديق ، ولا يعقل معنى آخر - للكلام النفسي - وراء ذلك . 3 - إنّ الكلام إن كان بمعنى العلم - كما تقدّم - فهو قديم كذاته تعالى وإلّا فلا نفهم ما هو حتّى نحكم عليه بالقدم أو الحدوث . 4 - وأمّا الأوامر الامتحانية فالمراد والمطلوب فيها هو نفس المقدّمات - كإلقاء إسماعيل ووضع السكّين على منحره ونحو ذلك في المثال - وأمّا ذو المقدّمة فغير مراد واقعا ، فلم يتعلّق بها طلب ولا إرادة واقعا وإن تعلّق بها الأمر صورة . 5 - وأمّا موضوع أمر العاصي بالطاعة مع عدم تعلّق إرادته تعالى بتحقّقها ، وكذا بالنسبة إلى أمر الكافر بالإيمان ، فجوابه : أنّه قد وقع خلط بين الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية ، فالإرادة التي تعلّقت بتكليف العاصي بالطاعة والكافر بالإيمان إنّما هي الإرادة التشريعية ، وأمّا الإرادة التي لم تتعلّق بطاعة العاصي وإيمان الكافر فهي الإرادة التكوينية ، ولا منافاة بينهما .
--> ( 1 ) انظر : محاضرات في أصول الفقه 2 : 18 - 33 ، ونهاية الدراية 1 : 262 ، وكفاية الأصول : 64 - 67 ، وبدائع الأفكار : 206 ، وهداية المسترشدين : 133 ، ودلائل الصدق 1 : 145 ، ورسالة الطلب والإرادة ( للإمام الخميني ) : 37 .